الذهبي
763
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
الحلبيَّة بنواحي البلد ، واستؤصلت الزُّرُوع والفاكهة من الأَوْباش ، وغَلَت الأسعار ، وتأهّبوا لحِفْظ البلد ، فجاءت رسُل نور الدّين يَقُولُ : أَنَا أؤثر الإصلاح للرعيَّة وجهاد المشركين ، فإنْ جئتم معي في عسكر دمشق وتعاضدْنا عَلَى الجهاد ، فذلك المراد ، فلم يُجيبوه بما يُرضيه ، فوقعت مناوشة بين العسكرين ، ولم يزحف نور الدّين رِفقًا بالمسلمين ، ولكنْ خربت الغُوطة والحواضر إلى الغاية بأيدي العساكر وأهل الفساد ، وعُدم التّبْن ، وعظُم الخطْب ، والأخبار متوالية باحتشاد الفرنج ، واجتماعهم لإنجاد أهل البلد ، فضاقت صدور أهل الدين ، فدام ذَلكَ شهرًا ، والجيش النُّوريّ في جمْع لا يُحصى ، وأمداده واصلة ، وهو لا يأذَن لأحد في التّسرُّع إلى القتال ، ولكنْ جُرح خلْق . ثمّ ترحّل بهم إلى ناحية الأعوج لقرب الفرنج ، ثمّ تحوّل إلى عين الْجَرّ بالبقاع ، فاجتمعت الفرنج مَعَ عسكر دمشق ، وقصدوا بُصْرَى لمنازلتها ، فلم يتهيّأ لهم ذَلكَ ، وانكفأ عسكر الفرنج إلى أعمالهم ، وراسلوا مجير الدّين والرئيس المؤيّد يلتمسون باقي المقاطعة المبذولة لهم عَلَى ترحيل نور الدين ، وقالوا : لولا نحن ما ترحّل ، وورد الخبر بمجيء الأسطول المصريّ إلى ثغور السّاحل في هيئة عظيمة وهم سبعون مركبًا حربيَّة مشحونة بالرجال ، قد أُنفِق عليها عَلَى ما قيل ثلاثمائة ألف دينار ، فقربوا من يافا ، فقتلوا وأسروا ، واستولوا عَلَى مراكب الفرنج ، ثمّ قصدوا عكّا ، ففعلوا مثل ذَلكَ ، وقتلوا خلْقًا عظيمًا من حجّاج الفرنج ، وقصدوا صيدا ، وبيروت ، وطرابُلُس ، وفعلوا بهم الأفاعيل ، ولولا شغل نور الدين بدمشق لأعان الأصطول ، وقيل إنّه عرض عسكره ، فبلغوا ثلاثين ألفًا . ثمّ عاد نحو دمشق ، وأغارت جنوده عَلَى الأعمال ، واستاقوا المواشي ، ونزل بدارَيّا ، فنوديَ بخروج الْجُنْد والأحداث ، فقَلَّ من خرج ، ثمّ إنّه قرُب من البلد ، ونزل بأرض القَطِيعة ، ووقعت المناوشة ، فجاء الخبر إلى نور الدّين بتسلّم نائبه الأمير حسن تلّ باشر بالأمان ، ففرح ، وضُربت في عسكره الكوسات والبُوقات بالبشارة ، وتوقّف عَنْ قتال الدّمشقيّين ديانةً وتحرُّجًا ، وتردّدت الرسُل في الصُّلْح عَلَى اقتراحاتٍ تردّد فيها الفقيه برهان الدين